صديق الحسيني القنوجي البخاري

60

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 67 إلى 69 ] ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 67 ) لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 68 ) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 69 ) ما كانَ أي ما صح وما استقام لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ هذا حكم آخر من أحكام الجهاد ، والأسرى جمع أسير مثل قتلى وقتيل وجرحى وجريح ، ويقال في جميع أسير أسارى وهو مأخوذ من الإسار وهو القيد لأنهم كانوا يشدون به الأسير فسمي كل أخيذ وإن لم يشد بالقيد أسيرا . وقال أبو عمرو بن العلاء : الأسرى هم غير الموثقين عندما يؤخذون ، والأسارى هم الموثقون ربطا ، والإثخان كثرة القتل والمبالغة فيه تقول العرب أثخن فلان في هذا الأمر أي بالغ فيه فالمعنى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يبلغ في قتل الكافرين ويستكثر من ذلك ، وقيل معنى الإثخان التمكن وقيل هو القوة ، وقيل الثخانة هي الغلظة والصلابة فاستعمل هنا في لازم المعنى الأصلي وهو القوة اللازمة وأثخن في الأرض إثخانا سار إلى العدو وأوسعهم قتلا وأثخنته أوهنته بالجراحة وأضعفته . وعن ابن عباس : حتى يثخن حتى يظهر على الأرض ، وعن مجاهد قال : الإثخان هو القتل أخبر اللّه سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من أسرهم وفدائهم ثم لما كثر المسلمون رخص اللّه في ذلك فقال فإما منا بعد وإما فداء كما يأتي في سورة القتال . قال الرازي : إن هذا الكلام يوهم أن قوله فإما منا بعد وإما فداء يزيل حكم الآية التي نحن في تفسيرها ، وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين متوافقتان ، وكلتاهما تدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان ثم بعده أخذ الفداء انتهى . وقال غيره : لا تظهر دعوى النسخ من أصلها إذ النهي الضمني كما هنا مقيد بالإثخان أي كثرة القتال اللازمة لها قوة الإسلام وعزته ، وما في سورة القتال من التخيير محله بعد ظهور شوكة الإسلام بكثرة القتال ، فلا تعارض بين الآيتين إذ ما هناك بيان للغاية التي هنا . تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا الخطاب لأصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم والمراد بعرض الدنيا نفعها ومتاعها بما قبضوا من الفداء ، وسمى عرضا لأنه سريع الزوال كما تزول الأعراض التي هي مقابلة الجواهر ، قال قتادة : أراد أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر الفداء ففادوهم بأربعة آلاف درهم ، وقيل كان الفداء لكل أسير أربعين أوقية والأوقية أربعون درهما فيكون مجمع ذلك ألفا وستمائة درهم ، وعن عكرمة قال عرض الدنيا الخراج .